Archive for December 2007
رأس السنة

Rosanna Barbero
لقائي معها ترك وراءه علامات استفهام عدة، فجأة وجدت نفسي مدانة بالانانية، بالدعوة إلى مبادئ وقيم لا أطبقها. هذه المرأة فتحت عينّي على حقائق وأمور كثيرة لن أقول بأني كنت أجهلها ولكني ربما لم أفكر في تداعياتها.
لم أكن اعرف من هي روزانا باربيرو ولا ماهو طبيعة عملها غير أنه لفت أنتباهي أهتمامها المفرط بجميع المحيطين بها، فهي أول من يثب لمساعدة الآخرين وأول من يسأل عنهم حتى وان لم يكونوا من ضمن دائرة معارفها او اصدقاءها المقربين. ألتقيت بها عن طريق أحدى الصديقات وكنا يومها نستعد للذهاب لأحد المقاهي القريبة لأستكمال حديثنا .. أقترحت مقهي ستاربكس لأنه كان الأقرب فعارضت بشدة مبررة الاسباب الى انها لا تتعامل مع مقهى يجنى ارباحه على حساب استغلال الفقراء وفي المجمل بإنها مقاطعة لكل ما هو أمريكي الصنع. قلت لها لأكون مثلك سأحتاج ان اقاطع حياتي بأكملها، ليس ذلك فحسب بل على ان اقاطع اقتصاد بلدي الذي يرتبط في تعاملاته بالدولار الامريكي، هل تدركين حجم المشكلة؟ أنها أكبر بكثير من مجرد مقاطعة للبضائع والسلع الامريكية.
قالت هل تعرفين بإن كل فنجان قهوة تحتسينه في ذلك المقهي وتدفعين لقاءه ما يقارب الثلاث دولارات يتقاضى مزارعي البن مقابله ثلاث سنتات؟ قلت قرأت شيئا من هذا القبيل في مكان ما وسأصدقك القول بأني لم أكترث كثيرا للأمر، هناك الكثير من الاستغلال والظلم في هذا العالم ما قد يتعبنا لو أقتفينا أثره .. قلتها ثم شعرت بأنني قد تفوهت بما ينم عن انانية مفرطة جعلتني أشعر بالخجل من نفسي.
في ذلك المساء عدت الى المنزل لانكب على قراءة الروابط والوصلات التي زودتني بها روزانا حول فيلم الذهب الاسود وهو فيلم يتناول تجارة البن واستغلال المزارعين، ثم عرجت على مواقع أخرى لأطالع الحملات الدعائية التي شنتها ستاربكس للدفاع عن سمعتها وعلامتها التجارية والمبالغ الطائلة التي اضطرت لدفعها لتدرء عن نفسها تهمة الاستغلال. وبينما كنت أتقصى موضوع الذهب الاسود طالعني تحقيق آخر أجرته مؤخرا صحيفة الاوبزرفر عن شركة غاب الامريكية للألبسة والذي كشف عن تورط مصنع تابع للشركة في الهند بتشغيل أطفال في العاشرة من العمر لساعات طويلة في ظروف صحية مزرية لقاء اجور زهيدة يماطل اصحاب المصنع بدفعها.
بعد أيام دعتني روزانا وزوجها لتناول العشاء في منزلهما ثم جلسنا نطالع معا بعض الصور .. أطفال كمبوديا .. المنزل الذي عاشت فيه أكثر من عشر سنوات كناشطة من استراليا لمنظمة اوكسفام، عشر سنوات من العيش البدائي في كوخ من الخشب دون كهرباء او مياه جارية بينما أماطل أنا في شرب قهوة من مكان آخر رغم توفر عشرات البدائل. لم أكن بحاجة لوقت طويل حتى أدرك حجم اللامبالاة التي يعيشها معظمنا في هذا الجزء من العالم حيث لا يعني ألم ومعاناة الآخرون لنا شيئا مقابل كوب قهوة أو ملابس أو كماليات أخرى نرفض الاستغناء عنها حتى لو ثبت لنا تورط صانعيها بجرائم يندى لها الجبين خجلاً.
فكرت حينها كيف لنا ان ننادي بالمسئولية الاجتماعية ونحن لا نطبق ابسط أسسها وهو الاحساس بالمسئولية الذاتية، وماذا يمكن ان يحل بالعالم لو أننا أدرنا ظهورنا للظلم والاستغلال لأنه ليس قريبا من مواطئ اقدامنا؟ ربما لم تكن لتتحرك هذه الشركات العملاقة لفعل شئ ولأستمرت في مضاعفة ارباحها على حساب استغلال المزيد من الشعوب وغرقها في مستنقع الفقروالرذيلة اذ لم أكن اتصور ان لسياسة التجارة الحرة أو الخصخصة علاقة بالفقر والمتاجرة بالدعارة حتى استمعت لهذا اللقاء الذي اجراه البرنامج الاذاعي ذس از هل مع روزانا وآخرين. ورغم ان المقابلة تتمحور حول كمبوديا الا ان هناك ما يتعلق بالمفهوم العام لتأثير سياسة التجارة الحرة على الدول ما جعلني اتسائل عن ما سيؤول اليه حالنا بعد ان تتمكن منا الخصخصة. اى طريق سنسلك وهل سيكون مستقبلنا أكثر حلكة من حاضر كمبوديا؟

لون آخر للفجر
كنت أتحسس الفجر على وقع أقدامه عائدا من الصلاة .. صوت الباب الخارجي.. إنطفاء المصابيح .. مساحة من الصمت تنكسر مع انطلاق أصوات عصافير احتجزها الظلام.
منذ أن رحل أصبح الفجر كالبيت المهجور.. أبواب صامته .. مصابيح مهملة .. سجادة يتيمة .. وجلباب معلق ينتظر عودة صاحبه.
لحظة
أحمل هذه اللحظة إلى قلبك
فعندما ستغادرك
ستظل تبحث عنها طويلا
كما لو أنها تختفي
مع مئات المصابيح والعيون
-الرومي-
لحظات كثيرة تستحق أن نقبض عليها بقلوبنا بقوة .. ان ندخرها ليوم لا عيون له ولا مصابيح تضاء فيه.
عن الانتظار
بقى مستيقظا يهدهد القمر حتى الصباح .. أندس في سريري .. توسد أغطيتي .. أوراقي .. متوغلا في كل مساحات الوحدة والفراغ.
بداخلي
مدينة من النساء وخيال طفلة تجر خلفها دمية لا أستطيع اللحاق بها.
عزلة
الساعة الرابعة صباحا .. هدوء يستحث الكتابة .. مساحة من العزلة أرنو اليها كلما فقدت شهيتي للكلام.
أي منهما؟؟
سؤال يدور في رأسي دائما ولا أعتقد أنني الوحيدة، فلأي الصوتين تنصتون أكثر؟

على أبواب الماضي
هناك لحظات يستيقظ فيها الماضي بداخلنا ليحثنا على نبش الذكريات .. الصور القديمة .. الارواح التي فارقتنا.. التفاصيل التي تسكن الذاكرة.
كنت أظن أنني أحفظ الطرق المؤدية الى طفولتي عن ظهر قلب .. أزقة المحرق الضيقة .. شرائط المدرسة الخضراء .. البائعات المتجولات .. دروس تحفيظ القرآن .. العجوز التي تبيع كل شئ في مرآب منزلها .. السيدة المجنونة التي تلقي بحاجياتها من شرفة المنزل … ثمار الترنج المتدلية من شجرة باحة بيتنا القديم .. زهور الياسمين التي تصنع منها جدتي عقدا يزين صدرها ومعصميها .. منزلنا القديم في نهاية الممر الطويل قبل ان ينهار صمت الجدران ليفسح المجال أمام حاضر التغيير .. حاضر أضلني الطريق قبل ان أجد ذلك الباب الخشبي الذي مازال صامدا رغم السنوات.
كل الالوان تبدو حاضرة في الذهن رغم سواد الصور .. تستطيع الحياة ان تطمس معالم التاريخ والاماكن ولكنها لا تملك سلطة تغيير ألوان الذاكرة.
في نفس المكان والطريق وقفت على أبواب ماض حزين عاد للتو فلم يجد بإنتظاره أحد .. لا الأزقة .. لا الاشجار .. لا زهور الياسمين ولا قلوب أرتحلت بعد ان أضناها القدر.
الصور: مسجد سيادي، بيت الشيخ عيسى بن على آل خليفة، مركز الشيخ ابراهيم بن محمد آل خليفة للتراث والبحوث، بيت عبدالله الزايد لتراث البحرين الصحفي، بيت الكورار وصور متفرقة من محافظة المحرق.








