هذيان الحروف

شذرات من هذيان فراشة

الكلام أرخص أنواع المعرفة

with 5 comments

هذا ما يقوله ثيدور زيلدن الذي أحتفل قبل أيام قليلة بعيد ميلاده الرابع والسبعون والذي دعا اليه جميع من يرغب بالحضور شريطة ان يتبادل المدعو اطراف الحديث مع شخص غريب لم يقابله قط.  طبقاً لنظرية زيلدن فان مفهوم الصداقة قد تغير عبر العصور لذلك فأن أمثال ومقولات مثل مرآة المرء صديقه والطيور على اشكالها تقع لم تعد سارية المفعول اذا ما أردنا ان نحصل على المعرفة الحقة.

ذكرني ذلك بأيام الدراسة حينما كانت الطالبات المتفوقات يحرصن على أختيار صديقاتهن بعناية لأن المتفوقة قد تستفيد من صديقتها المتفوقة دراسيا اما الكسولة فقد يكون لها تأثير سلبي على مستواها الدراسي، ثم هناك ضغط اولياء الامور الذين يميلون لتأييد هذا التوجه خوفاً من تراجع تحصيل ابنائهم الدراسي أو التأثير سلباً على الاسلوب التربوي الذي نشأوا عليه.  والنتيجة ان الكثير من هؤلاء الطلبة يتفوقون دراسيا ويتخرجون من المدارس والجامعات بأعلى الدرجات ولكن حينما تبدأ مرحلة الحياة العملية بعد التخرج أو حين اتخاذ قرار الارتباط يفشلون فشلا ذريعا بسبب عدم احتكاكهم بأنماط بشرية تختلف عن تلك التي عرفوها واعتادوا عليها.

 ربما تغير الوضع قليلاً في وقتنا الحالي بسبب انتشار وسائل العولمة من أنترنت وفضائيات ولكن نظرية الاقران والنظراء لازالت موجودة الى حد ما.  فالمثقفون يحرصون على مخالطة أقرانهم من المثقفين، والموهوبون في مجال ما يميلون لمصادقة من توجد لديهم أهتمامات مماثلة، وبالتالي فأننا لا نتعلم ولا نطلع على الجانب الآخر من العالم الذي نحصر أنفسنا في جزء صغير منه.

شعرت بذلك بعد ان فكرت بتجربتي مع صديقتي المولعة برياضة ركوب الخيل والتي تلحّ على منذ أكثر من عام لمرافقتها لاسطبل الخيول وزيارة متجرها الصغير لبيع كل ما يخص هذا الحيوان الرصين الذي تخلت لأجله عن مستقبلها المهني ووظيفتها المرموقة الا أنني كنت في كل مرة أسّوف لعدم أهتمامي بهذه الرياضة.  في الوقت ذاته لم يكن لدي صديقتي الاهتمام والرغبه ذاتها لمرافقتي للندوات أو المعارض لأنها طبقاً لرأيها رتيبة ومملة.  ثم جاء اليوم الذي أتفقنا فيه على تبادل الادوار وعلى دخول كلا منا الى عالم الأخرى والنتيجة كانت ممتعة بالفعل فقد شعرت بشئ من التغيير وروح المغامرة ، ورغم أن أهتمامي لم ينمو بعد لحد الرغبة في تعلم ركوب الخيل الا أنني أصبحت مهتمة نوعا ما بمعرفة كل شئ يتعلق بعالم الخيول.

الجانب الآخر هو ما أسمعه بين الحين والآخر من أوصاف ونعوت من بعض الاشخاص لغيرهم على شاكلة .. فلان سطحي أو تافه أو غير متزن أو غير متعلم أو مثقف، مثل هذه الاحكام التي يصدرها البعض على الآخرين تفتقر الى الموضوعية، فالعلم والثقافة غير مرتبطين بالشهادات والا لما وجدنا الكثير من اباءنا واجدادنا على درجة كبيرة من الذكاء والفطنة رغم تواضع مستواهم الدراسي.

اما بالنسبة للسطحية وعدم الاتزان فالموضوع نسبي وقد ينطبق علينا جميعا دون استثناء في حالات ومواقف معينة اذ لايوجد من هو مطلع وملم بكل شئ في الحياة .. لا السياسة ولا الدين ولا المعلومات العامة مقياس لأن نطلق على انسان بأنه ذكي أو غبي، سطحي أو غير سطحي، هناك أوقات نحب ان نسمع فيها فيروز وهناك أوقات قد نطرب فيها لأغنية سخيفة .. هناك أوقات نقرأ فيها كتاب فلسفيا جادا وهناك أوقات نقرأ كتاب للتسلية البحتة ونستطيع ان نقيس على ذلك الكثير من الاشياء.  في رأيى الخاص ان من يحاول ادعاء سعة الاطلاع والجدية ويرفض الاختلاط بمن يظن بأنهم ادنى منه هو من يفتقد فعلا الى الاتزان والثقة بالنفس.

هل صحيح ان الطيور على اشكالها تقع وان مرآة المرء صديقه؟  لا أعتقد ذلك على الاقل بالنسبة لتجربتي الشخصية ، فبعض صديقاتي يكبرنني بعشر سنوات وبعضهن يصغرنني بعشر، شخصياتهن لا تشبه شخصيتي وميولهن لا تتطابق مع ميولي ، حينما أكون بصحبة بعضهن يكون الحديث جاداً وربما مفيداً وحينما أكون مع بعضهن الآخر فان الحوار لا يعدو سوى سرد لبعض الاحداث التي تدور في مجال الاسرة والعمل أو تضييع للوقت في الضحك والسخرية.  لا يهمني فعلا توجهاتهن في الحياة ولا ما يطلقه الناس عليهن أو عليّ، ما يهمني هو التواصل الانساني الذي يربط بيني وبينهن بطريقة ما حتى وان أختلفنا من ناحية الجوهر والمضمون.  جميع الشخصيات التي أعترضت حياتي مهما بلغت سطحيتها أو ثقافتها وجدت فيها شيئا ما ساعدني على ان استدل طريقي في الحياة، الاستماع الى الآخرين والى تجاربهم قد يضاهي عيشنا لهذه التجارب دون ان نكون طرفاً فيها بالفعل، لذلك أتفق تماما مع زيلدن بان الكلام أرخص انواع المعرفة.

Written by Butterfly

August 31, 2007 at 3:16 pm

5 Responses

Subscribe to comments with RSS.

  1. Our lives, our history, personal history that is, is written by the stories that are told by and to us. We are the “authors” of our lives, so as to say.

    Not only that the conversations that we have with others form and shape the story of our lives, but more crucially, the inner monologue that we rehearse day in day out, morning and night, constantly re-authoring our identities.

    Not to encourage delusional personalities, but to promote the endless possibilities of our human nature. For some, it is only as easy to re-tell their life stories in a different light, that it would forever change the course of their lives.

    H.

    August 31, 2007 at 5:08 pm

  2. فعلا آنه اقدر استفيد و اتعلم من كل انسان صادفته بحياتي
    و الاختلاف لمه يكون كأس
    و هذا الكأس تنظرين الى الجانب المملوء منه
    راح تلاحظين ان الاختلاف ميزة بشرية عظيمة تعطي طعم مختلف لكل يوم نعيشه
    من جذي الناس تسافر عشان تلقي نظرة على بشر صنعت حضارات مختلفة
    بس بعد مثل ما الاختلاف صفة من صفات الانسان
    بعد التفضيل صفة من صفات الانسان
    هو تفضيل صفة عن صفة
    اكلة عن اكلة
    شخصية عن شخصية
    هذا اللي يخلي الناس تطلق احكام هذا تافه و هذا سطحي و هذا مثقف و هذا مهووس و هذا غريب اطور ووو
    و التفضيل اذا زاد عن حده ممكن يكون تطرف و اهني تبتدي المشكلة
    مسامحة على الاطالة
    و يمكن اكون شوي طلعت عن البوست
    بس هذا الكلام اللي كنت حابة اقوله :)
    شكرا

    بحرينية

    August 31, 2007 at 5:37 pm

  3. H.

    I told you, you are a great philosopher :)
    I really wish that you get a job that matches your qualifications and interests.

    بحرينية

    التفضيل اذا زاد عن حده ممكن يكون تطرف و اهني تبتدي المشكلة
    توقفت عند عبارتك هذه طويلا، لم يسترعى انتباهي يوما ان أفكر بهذا المنطق، ان تتحول المفاضلة وهي أمر مشروع الى مشكلة كالتطرف .. العنصرية أو الطائفية وهذا هو ما يحدث فعلا. التعلق بشئ ما الى حد الهوس يمكن ان يؤدي بنتيجة معاكسة
    شكرا على التعليق وعلى الملاحظة التي جاءت في محلها

    Butterfly

    September 1, 2007 at 10:00 pm

  4. اعجبتني الفكره بموضوعك
    وصدقت بما ذكرتيه عن حال الطالبات , وهذه النظريه يتبعها حتي المدرسين فيلومون الفتاة المتفوقه علي مرافقتها من اقل منها بداعي انها تثبط من عزيمتها
    واتذكر جيدا بعض المتفوقين ممن يعيشون بعزله بداعي الدارسه وصداقتهم مقتصره علي المصالح الدراسيه التي تنتهي معها الصداقه بنهايه العام الدراسي
    دون ان تبقي تلك العلاقه الحلوه بين اصدقاء الدراسه
    لم تعرض علي لعبة تبادل الادوار وان كنت اتمناها
    ولكن حاوله ان تتخلي احدى صديقاتي عن الرتابه في حياتها واكتشاف امور جديده وكم كانت فرحتها وفرحتي بتلك التجارب التي لا تنسى وان كانت بسيطه

    اعتقد بتواجد موهبه يمتلكها كل انسان تميزه مهما كان مستواه
    افضل معرفه توجهات صديقاتي وان اختلفت معهم ومنها يمكننا خوض احاديث اكثر متعه

    layal

    September 2, 2007 at 6:29 pm

  5. ليال

    أتفق معك بأن كل انسان يمتلك موهبة ما تميزه عن غيره .. المشكلة انهم علمونا ان من قواعد النجاح ان ننمي هذا الجزء فينا بتطويره أو التخصص فيه. كل شئ يتجه نحو التخصص، التعليم .. المهن .. الهوايات. في انشغالنا بالتركيز على هذا الجزء المتميز فينا نغفل النظر الى جوانب أخرى من الحياة .. جوانب قد تكون أكثر الهاماً وتنمية لاحتياجاتنا الأخرى المهملة

    أفضل مثلك التعرف على توجهات صديقاتي ولكني لا أجعلها عائقا بيني وبينهن حينما لا تتفق معي كما يفعل البعض

    Butterfly

    September 2, 2007 at 8:59 pm


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: