هذيان الحروف

شذرات من هذيان فراشة

قيمّنا لا تٌغرس قسرا

with 8 comments

كل الاطفال في نظري عصافير .. وفاطمة عصفورة لم تتجاوز التاسعة من العمر، زارتنا قبل ايام برفقة والديها وأخوتها وهي تجر خلفها غطاء طويل للرأس يكاد يصل الى أخمص قدميها .. ظننت انها تريد ان تسابق الزمن لتكبر فهكذا يفعل معظم الاطفال في عمرها .. ظننت ان والديها أجبراها على ارتدائه .. ظننت اشياء كثيرة ولكن لم يكن اي من ظنوني هو السبب الحقيقي.

عرفت ذلك من تعابير وجه فاطمة التي تغيرت في لحظة منذ ان بدأ الحديث يدور حول غطاء رأسها .. من احتقان عينيها بالدموع  .. من اخفاءها لوجهها بوسادة المقعد الذي كانت تجلس عليه .. من تواريها بعد لحظات عن المكان. وتيقنت حينما سردت على والدتها قصتها مع المعلمة .. معلمة الفصل التي أستمرت طيلة العام الماضي في تأنيب فاطمة والسخرية منها على مرأى ومسمع جميع زميلاتها في الفصل لانها لا ترتدي الحجاب. ففاطمة حالة شبه شاذة في مدرستها التي يندر ان تجد فيها تلميذة لا ترتدي غطاء للرأس.

المربية الفاضلة، مربية الاجيال والتي يفصل بينها وبين فاطمة عشرات السنوات الضوئية لم تجد حرج في النزول بمستواها الفكري والعقلي لمستوى طفلة في الثامنة لتشن عليها نوع من الحرب النفسية، تارة بتبويخها وتلقينها دروس في مبادئ الاسلام والاخلاق الحميدة التي لم تتعلم هي أي شئ منها وتارة أخرى في مناصبتها العداء وانتهاز أي فرصة سانحة لاسقاط عقدها النفسية عليها لأنها لم تمتثل لأوامرها وترتدي الحجاب.

والنتيجة ان فاطمة بدأت ترزح تحت مجموعة من الضغوط النفسية، اضطهاد المعلمة لها من جهة وسخرية التلميذات منها من جهة أخرى الأمر الذي حوّل مشوارها المدرسي إلى رحلة جحيم يومية وفي الوقت ذاته جعلها تختزل مشاعر ضغينة مكبوته تجاه معلمتها التي لم تحترم آدميتها.  ماذا يمكن لطفلة في عمرها ان تفعل لمواجهة هذه المعلمة وكيف تنّفس عن مشاعرها المكبوته بالقهر والاضطهاد؟؟  فكرت ان الاوراق البيضاء قد تكون أقدر على فهمها .. على احتوائها واستيعاب مشاعرها التي لم تبح بها لأحد .. كتبت فاطمة رسالة الى نفسها تشكو ظلم معلمتها الـ .. ولسوء الحظ ان الرسالة وقعت بيد المعلمة التي قرأت ما سطرته فاطمة من كراهية نحوها.

هل جعلت الرسالة معلمة فاطمة تستدرك فداحة خطأها؟ بالطبع لا .. فعقل بمثل هذه الضآلة والضحالة لا يمكن له الا ان يفكر بالاساليب التقليدية والقديمة في التعليم .. اساليب العقاب التي درجنا عليها منذ قرون.

كان ذلك في العام الماضي واليوم ترفض فاطمة الذهاب الى المدرسة دون غطاء الرأس بل انها قد تبكي لو ان أحدا منهم طلب منها ان تنزعه عنها.  ليس ايمانا ولا حبا في ارتدائه ففاطمة ما زالت صغيرة جدا على استيعاب  مثل هذه الأمور .. انها ترتديه خوفا من اساليب القمع التي تُمارس عليها في مدرسة حكومية في بلد ينادي بالديموقراطية، ووالديها التزما بالصمت لانهما لا يستطيعان نقلها الى مدرسة حكومية أخرى لأن القانون في البحرين يجبر التلميذ او الطالب على الالتحاق بمدرسة المنطقة التي يقطن فيها، ولا يستطيعان الحاقها بمدرسة خاصة لضيق ذات اليد، ولا يستطيعان الشكوى لوزارة التربية والتعليم خوفا من تعرض فاطمة للمزيد من المضايقات التي قد تؤثر سلبا على تحصيلها الدراسي.

حقيقة لم أكن أصدق ان قصص كهذه ما زالت موجودة في مدارسنا .. لست ضد الحجاب ولا المحجبات ولكني ضد القيم التي تُغرس قسرا .. القيّم الانسانية والاخلاقية ليست زي وطني نرتديه ولا غطاء للرأس نتباهى به كما تصور ذلك العديد من اللافتات ذات العناوين والمضامين الساذجة التي أنتشرت في شوارعنا في الآونة الأخيرة .. القيم الاخلاقية والقناعات الشخصية لا تُلقن بل يكتسبها المرء من محيطه .. من مجتمعه .. من ما يراه من ممارسات .. من أحترام حقوقه كأنسان في أختيار ما يؤمن به من قناعات.

ماذا يمكن ان يُغري في جسد أو شعر طفلة في السابعة أو العاشرة؟؟  من يقول ان هناك ذئاب بشرية تفترس مثل هذه العصافير عليه ان يدرك ان هؤلاء شواذ ومرضى مكانهم الطبيعي هو المصحات النفسية وحماية اطفالنا لن يتحقق بغطاء للرأس فعدد الاطفال الذكور الذين يتم أغتصابهم في البحرين يتجاوز الأناث منهم بكثير.

كنت اتصور ان مثل هذه الامور تحدث عندنا فقط ولكني تفاجأت انها ظاهرة عربية .. فقد أرسلت لي بنت بطوطة  برابطين لمدونة مصرية أسمها كفر الهنادوة حول الموضوع نفسه تجدونهما هنا و هنا .. وأترك لكم التعليق.

Written by Butterfly

March 30, 2008 at 11:31 am

8 Responses

Subscribe to comments with RSS.

  1. أوافقك تماما علي عدم غرس القيم قسرا و لكن بالادراك و الوعي و تدخل الرغبة الشخصية بالالتزام بالحشمةو غير ذلك لن يخلق الا قهرا و لن يؤدي الي عفة ..مالم يؤدي الي العكس
    …اشكرك علي مقالك

    doctoraydy2008

    March 30, 2008 at 3:57 pm

  2. مع الاسف فان التزمت (باي مذهب) قد اصبح ظاهرة منتشره و كان بعض الناس قد قرروا اثبات قناعات المستشرقين باننا قوم محكومون برؤى متزمتة و نظرة على الحياة حدية و مرسومة بالابيض و الاسود.

    p.s. this took me forever to type, but as i promised you (and myslef) last year, i need to work on that.

    bala-wala-shi

    March 30, 2008 at 5:16 pm

  3. تغرس قهراً خيرٌ من ألاّ تغرس ..

    Ali7

    March 30, 2008 at 6:54 pm

  4. […] choice or obligation? Butterfly is certainly depressed, but about something in particular. She tells us the story of Fatima: كل […]

  5. […] избор или обврска? Батерфлај е сигурно депресивна, но за една работа конкретно. Таа […]

  6. […] saina tokoa i Butterfly, saingy tamin-javatra hafa manokana. Ambarany amintsika ny tantàran’i Fatima: كل […]

  7. بالتحديد ، كدت أن تصيبي الهدف ، فليس كل البشر “عقلاء” منهم الطبيعيين ومنهم المرضى النفسيين ، ومنهم الفاسق ومنهم الفاجر ومنهم التقي والصالح ومنهم…إلخ… و الجمال مقياسه نسبي ، فمفهوم الجمال عندك يختلف منه عندي… فمثلا، مسابقات ملكات الجمال -مع ما بها من شر إلا أنها تدفعنا للتأمل والتبصر بمفهوم الجمال الظاهري لدى الناس وإدراك أهمية الحجاب- ، مع بداية المسابقة تجدين عددا لا يحصى من المرشحات ، كل واحدة تمتاز بجمال مظهري يميزيها عن قريناتها الأخريات ، وفي نهاية المسابقة ، تجدين أن ((واحدة)) فقط تتوج ملكة! هل يعني ذلك أن جميع الخاسرات ذوات المظاهر الخلابة ((قبيحات))؟ بالطبع لا ، ولكن تلك ((الملكة)) قد نالت على إعجاب ((نسبة أكبر)) من النسب التي حصلن عليها قريناتها من قبل الجمهور ، وبذلك يتجلى لنا فهم مفهوم “لكل ساقطة لاقطة” ، أي مهما ظنت نسبة من الناس بأن “فتاة” معينة ليست جميلة فهناك نسبة أخرى ترى أنها “جميلة” ولو كانت أقل فهذا لا يغير من رأيهم في هذه الفتاة بأنها جميلة… ونعود إلى موضوعك الذي طرحتيه… فقد قيل من شب على شيء شاب عليه… وقيل العلم في الصغر كالنقش على الحجر… والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته… والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها…وأقول أجمل غيرة ، غيرة على العِرض… فواعجبي! أي حياة تعيشها فاطمة؟ حياة خبط عشواء… لا تعرف من الإسلام إلا اسمه وللأسف، فمن المسؤول؟ أين والدها من اختلاف طبائع الرجال في مجتمعاتنا من أتقياء وفساق وفجار ومرضى نفسيين وغيرهم؟ أين هو من الأمانة التي وكّلت إليه؟ أين والدتها من زرع الحياء في نفس ابنتها؟ أين هي من زرع حب الله تعالى والتقرب إليه بطاعته فيما أمر به نساء المؤمنين بلبس الحجاب؟ أين والديها من تعليمها القرآن الكريم والأحاديث الشريفة؟ أين هم من غرس خشية الله تعالى في قلب ابنتهم؟ أين هم من ترغيبها بنعيم الجنان وترهيبها من عذاب النار؟ أين هم من حديث الكاسيات العاريات؟ أين هم من تفلع نساء المهاجرين بمروطهن عند نزول آية الحجاب؟ أين هم من إسدال نساء النبي صلى الله عليه وسلم خمرهن على وجوههن إذا مر بهم الركبان من الرجال في الإحرام وكشفهن وجوههن إذا جاوزن؟ أين هم من عدم انتقاب المرأة المحرمة وعدم لبسها القفازين ولبسها إياهما في غير حال الإحرام؟ أين هم من سورة النور؟ أين هم من سورة الأحزاب؟ أين هم من المرأة العجوز التي بكت لغلبة ظنها بأنها لن تدخل الجنة فقيل لها لا يدخل الجنة عجوز؟ أين هم من حياة النعيم الأبدية والشباب الدائم والجمال الفائق الذي يزداد حسنا مع ارتياد أهل الجنة سوق الجمعة؟ أين هم من رضا الله سبحانه وتعالى الأبدي ورؤية وجهه تعالى؟ أين هم!

    أخيتي

    April 24, 2008 at 12:58 pm

  8. […] Butterfly很沮喪,不過是針對一個特殊事件。她告訴我們關於法提瑪(Fatima)的故事: […]


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: