هذيان الحروف

شذرات من هذيان فراشة

Archive for the ‘استراحة الحروف’ Category

عن السعادة

with 10 comments

 

“أنا لا أومن بوجود شيء اسمه السعادة، أقول لكم الحقيقة. أؤمن فقط بالقلق. بعبارة أخري، لا أحس أبدا بسعادة كاملة، أنا دوما في حاجة إلي شيء آخر. ثم إن السعادة الحقيقية هي أن تذهب إلي الصيد لا أن تقتل الطائر”.

 

أمبرتو إيكو

Advertisements

Written by Butterfly

August 3, 2008 at 1:24 am

غيوم ليست للمطر

with 6 comments

هل يكف العشب عن انتظار غيوم لا تعبأ بالمطر؟

Image: Barry Island 13.07.2008

 

Written by Butterfly

July 18, 2008 at 2:00 am

أوراق الورد

with 4 comments

 

 

“جبران!

 

لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب. إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب ودعواه في المراقص والاجتماعات، ينمي الحب في أعماقهم قوة ديناميكية قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في الللاء السطحي لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر، ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن يتمنوها لنفوسهم، ويفضلون وحدتهم، ويفضلون السكوت، ويفضلون تضليل القلوب عن ودائعها، والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة. ويفضلون أي غربة وأي شقاء (وهل من شقاءٍ في غير وحدة القلب؟) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة.  ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب. أقول هذا مع علمي أن القليل من الحب كثير. الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير من النزر اليسير.  كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا. وكيف أفرط فيه؟ لا أدري.

 

الحمد لله أني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به لأنك لو كانت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى.  حتى الكتابة ألوم نفسي عليها، لأني بها حرة كل هذه الحرية.. أتذكر قول القدماء من الشرقيين: إن خير للبنت أن لا تقرأ ولا تكتب.

 

إن القديس توما يظهر هنا وليس ما أبدي هنا أثراً للوراثة فحسب، بل هو شيء أبعد من الوراثة. ما هو؟ قل لي أنت ما هو. وقل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى فإني أثق بك.. وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة فإن قلبي يسير إليك، وخير ما يفعل هو أن يظل حائماً حواليك، يحرسك ويحنو عليك”.

 

(مي زيادة)

 

من أجمل رسائل الحب التي قرأتها هي رسائل الحب التي تبادلها الاديبان جبران خليل جبران ومي زيادة، الا ان أعجابي بهذه الرسائل تأثر بعد قراءتي ”رسائل الأحزان” و”المساكين” للأديب مصطفى صادق الرافعي. وتعاطفي مع الرافعي لم يكن بسبب اصابته بالصمم في سن مبكر ولا بسبب هيامه اليائس بالأديبة اللبنانية مي زيادة التي لم تبادله الحب فكتب فيها أجمل ما كتب من رسائل أدبية مرهفة في (أوراق الورد) و(السحاب الأحمر). 

 

تعاطفي مع الرافعي بدأ بعد قراءتي لإبداعات هذا الاديب الكبير الذي لم يحصد ما يستحق من مكانة وشهرة على الرغم من تفوقه لغويا على الكثير من شعراء جيله كما ذكرت مصادر متعددة هذا عدا كونه أول من نادى بتحرير الشعر العربي من قيود الوزن والقافية لينطلق نوع جديد من الشعر هو النثر الشعري.

 

وقبل ان أسترسل وأسهب في مديح الرافعي أعترف لكم بأن الود بيني وبين الشعراء العرب الأوائل ظل مفقودا طوال السنوات التي مضت، فالمناهج الدراسية التي ألزمتنا بحفظ القصائد المقفاة والمعلقات وترديدها كالببغاوات أفقدتني شهيتي لقراءة هذه القصائد وولدّت لدي شعور بالفتور والملل تجاه اي شاعر ينتمي إلى تلك العصور،  الا انني استعدت شغفي بالأدب العربي القديم مؤخرا بعد عثوري على بعض المواقع التي توفر اشهر المؤلفات العربية  كموقع “الوراق” الذي يعد واحدا من أفضل مواقع المكتبات الالكترونية. 

 

تعرفت على الرافعي أول مرة من خلال كتابه “المساكين” الذي يتناول موضوع الفقر والتعاطف الإنساني والذي تم مقارنته بمسرحية البوساء للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو. الا ان أفضل مؤلفاته على الاطلاق هي كتبه النثرية حول فلسفة الحب والجمال والقطيعة والاحزان في كتبه “حديث القمر”، “رسائل الاحزان” و “السحاب الاحمر” و“أوراق الورد” التي يناجي فيها محبوبته في خلوته من خلال رسائل لم يرسلها اليها بل جمعها في هذا الكتاب بالاضافة الى رسائلها اليه وأرسلها لها بعد سبعة أعوام من تاريخ الفراق.

 

في قصائد الرافعي ورسائله عذوبة وتصوف وأزليه وترّفع بالحب تعيد الي ذهن القارئ صورة الحب الافلاطوني، وهذه بعض المقتطفات من كتاباته:

 

”من أراد أوراق الورد على أنه قصة حب في رسائل لم يجد شيئا
ومن اراده رسائل وجوابها في معنى خاص لم يجد شيئا
ومن أراده للتسلية وإزجاء للفراغ لم يجد شيئا
ومن أراده نموذجا من الرسائل يحتذيه لم يجد شيئا
ومن أراده قصة قلب ينبض بمعانيه على حاليه في الرضا والغضب ويتحدث بأمانيه عنه وإليه في الحب والسلوان وجد كل شئ.”.

 

“كل الأماني التي لا تتحقق ، هي وجود مخنوق في القلب”.

 

“لا يصحّ الحب بين اثنين إلا إذا أمكن لأحدهما أن يقول للآخر: يا أنا.. ومن هذه الناحية كان البغضُ بين الحبيبين – حين يقع – أعنف ما في الخصومة، إذ هو تقاتل روحين على تحليل أجزائهما الممتزجة، وأكبر خصيمين في عالم النفس متحابان، تباغضا”.

 

“الدموع أوهى من أن تهدم شيئاً ، ولكنها تهدم صاحبها !”.

 

“تقولين يا حبيبتي : أي شيء عندك هو جديد في؟ ولماذا لا تراني رؤيتك غيري؟ وكيف بعدت في نظرك المسافة بين وجه امرأة ووجه امرأة أخرى؟ وهل في وجوه النساء طريق متشعبة تذهب برجل يمينا وتلوي بغيره شمالا ، وتتوافى إلى غاية وتتفرق عن غاية ؟ ثم ما الذي جعلني عندك لغزا لا تفسير له ، وجعل النساء من دوني واضحات مفسرات كألفاظ الحياة الجارية في العادة والواقع المبذولة بمعانيها لمداولة الأخذ والعطاء، على حين تزعم أني كالعبارة العقلية التي يضرب فيها الظن على وجوه شتى ، وأني كما تقول كلمة بسرها؟”.

Written by Butterfly

June 25, 2008 at 2:12 am

ظل

with 5 comments

 ونسيت اني كنت أحدق في الظل!

Where there is much light, the shadow is deep – Johann Wolfgang von Goethe 

Music:  Capture the moment – David London

Written by Butterfly

June 16, 2008 at 8:17 pm

لا يُعوّل عليه

with 2 comments

محي الدين ابن عربي:

 

الوجد الحاصل عن التواجد لا يعول عليه

والوجود الذي يكون عن هذا الوجد لايعول عليه

كل شوق يسكن باللقاء، لا يعول عليه
كل مشهد لا يريك الكثرة في العين الواحدة ، لا يعول عليه
المكان اذا لم يؤنث، لا يعول عليه
كل حال يشهدك الماضي والمستأنف، لا يعول عليه
كل حب يعرف سببه فيكون من الاسباب التي تنقطع لا يعول عليه

كل طمأنينة يسكن القلب بها لا يعول عليها

 

 

Music: Omar Faruk Tekbilek

 لقفص التحليق : الآن فقط أدركت سر ادمانك على المقطوعة!     

Written by Butterfly

May 12, 2008 at 9:02 am

حكايات من القاهرة – 2

with 13 comments

 

في عيد ميلاد الرئيس المصري .. اهازيج ورقص ومظاهرات

 

وصلنا إلى القاهرة في اليوم الذي يسبق موعد ورشة العمل والذي يتزامن مع احتفال الرئيس المصري بعيد ميلاده الثمانين.  كنا متعبين بعض الشئ من الرحلة فقررنا انا وزميلي حسين ان نخرج لتفقد ميدان الرماية والمنطقة المحيطة بالفندق سيرا على الاقدام.  في المساء كان هناك إحتفال صغير نظمه بعض الاهالي وسط الميدان الذي كانت تزينه بعض اللافتات المهنئة بعيد ميلاد الرئيس، لحظات من الغناء والرقص وعزف المزامير والاهازيج كان يسجلها البعض بهواتفهم النقالة.  أمضينا ليلة جميلة بصحبة الاهالي والاغاني المصرية الشعبية قبل ان نعود للفندق لنخلد للنوم استعدادا لأول يوم في ورشة العمل.

 

في اليوم الذي يليه تحدث بعض المدونين المصريين الذين حضروا الورشة عن رفع الرواتب في مصر بنسبة 30% وتزامنه مع ارتفاع سعر البنزين بنسبة 35% .  كان هناك حالة استياء عامة بين المصريين للغلاء وارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية شاهدنا بعض مظاهره اثناء تواجدنا يوم الخميس الماضي بالقرب من نقابة الصحفيين المصريين التي نظمت مظاهرة أمام مقر النقابة ورفعت لافتات منددة بموجة الغلاء التي تشهدها مصر والارتفاع الجنوني في الأسعار.

 

ولست اعلم إن كان هذا هو السبب في تواجد سيارات محملة بالضباط وقوات مكافحة الشغب لا يفصل عن بعضها البعض سوى امتار قليلة.  هذه السيارات كانت تتواجد على مدار الساعة في وضع متأهب بالقرب من الميادين العامة والمواقع الحيوية. كما كان هناك تشدد بشكل عام في الاجراءات الامنية من قبل الفنادق الكبيرة ذات الخمسة نجوم حتى ان بعضها أستخدم الكلاب البوليسية المدربة للتفتيش الأمني لمرتادي هذه الفنادق.

 

هوس الهواتف النقالة يجتاح القاهرة

 

أكثر ما لفت نظري منذ وصولي للقاهرة هو اكتساح الهواتف الخليوية لحياة المواطن المصري اليومية وإعلانات شركات الهواتف التي تطاردك في السيارة والتلفزيون ولافتات الشوارع وحتى جدران وأسطح بعض البنايات.  وبنظرة متفحصة للمارة في شوارع القاهرة تجد ان الجميع يحملون الهواتف النقالة ويديرون ظهورهم لبعضهم الآخر اثناء انشغالهم بمكالمات الهاتف الخليوي.  هوس الهواتف النقالة لم يقتصر على مصر فقط فطبقا لدراسة أعدها مركز البحوث التجارية والاقتصادية بجامعة القاهرة تعد الدول العربية من أكثر دول العالم ارتفاعاً في معدلات نمو الهاتف المحمول اذ ان استخدام الهواتف النقالة أصبح يلتهم 40% من دخل الكثير من الأسر العربية خاصة في مصر ودول مجلس التعاون الخليجي.

 

في خان الخليلي .. خليت لي ايه ما تقول يا زمان؟

 

أجمل ما في حارة خان الخليلي هو متاجر الفوانيس الملونة وقهوة الفيشاوي التي تمتلأ عن آخرها منذ الظهيرة بالسواح الاوروبيين، الشاي الكشري والسحلب واغاني سيد درويش وسيد مكاوي وام كلثوم وعبدالغني السيد وهو يشدو ماتقول يازمان والذي أستمعت لأغنياته لأول مرة في هذه الزيارة في أحد متاجر خان الخليلي.

 

بالقرب من قهوة الفيشاوي يقع محل ابو حمزة الشهير بتسجيلاته القديمة من الاغاني المصرية التي يعود بعضها للأربعينيات والخمسينيات. وفي زاوية مجاورة يجلس كل يوم العم ابراهيم الذي يعرفه معظم العاملين في خان الخليلي على مقعده الاسود جلسة القرفصاء يدخن في صمت بينما يراقب حركة المارة.  طلبت منه ان أصوره فهز رأسه موافقا دون ان ينبس بكلمة، لاحظت حينما كنت أهم بتصويره أنه لم يكن يبالي أو يكترث كثيرا بالنظر إلى عدسة الكاميرا فقد شرد ببصره وتفكيره الى البعيد فتساءلت بيني وبين نفسي: ترى إلى اين أخذتك الافكار يا عم إبراهيم؟؟

 

شدتني الكثير من المشاهد والمواقف الانسانية التي تعكس طيبة وبساطة الشعب المصري رغم صعوبة العيش والغلاء.  أطفال وكهول يعملون ليل نهار لإعانة عائلاتهم على لقمة العيش وفي مهن قد لا تتناسب أحيانا مع أعمارهم.

 

ألتقيت ببعضهم اثناء تجوالي في حارة خانة الخليلي، كان أحدهم ذلك الكهل الذي يعزف على آلة الفلوت الخشبية بينما يتأبط كيس كبير من القماش ملئ بالفلوت الخشبي يبيعه بسعر زهيد للسياح. دسست بعض الجنيهات خلسة في جيب ثوبه الامامي الا انه رمقني بنظرة غضب واستياء وأصر على ان آخذ منه شيئا مقابل النقود التي منحتها اياه فأضطررت الى شراء الفلوت الخشبي وحملته معي كتذكار من الرحلة.

 

اما الطفلتان سلمى وشادية فقد كانتا تعرضان مناديل الرأس المزركشة التي تتدلى منها حبات الخرز اللامعة بمهارة تنافس أمهر الباعة المتجولين. كانت سلمى تحاول اقناع حسين بشراء أكبر عدد من مناديل الرأس التي لم يكن بحاجة اليها، تارة بمحاولة معرفة عدد بناته عن طريقي وتارة أخرى بالتلويح باعطاء (دسكاونت).  وحينما فشلت في إقناعه بشتى الطرق طبعت قبله سريعة على خده يبدو انها أيقظت في حسين الحس الأبوي فرفع الراية البيضاء وخضع لجميع مطالبها باستسلام تام.

 

في حين استرسلت شادية في الحديث  بحسرة عن صعوبة البيع وعن المناديل التي فقدتها اثناء نومها على كرسي في خان الخليلي.  سألتها عن أسم شقيقاتها فأخبرتني ان لها شقيقة واحدة تدعى شادية، قلت لها كيف يكون ذلك، انتِ وشقيقتك تحملان الاسم ذاته؟ فابتسمت وهي تقول: “هي شادية الحقيقية بس انا اسم الدلع شادية!” فقلت: طيب وأنتِ اسمك الحقيقي ايه؟ فردت بشقاوة وذكاء: “شوشو”!

 

تحديث: بينما كنت أبحث في اليوتيوب وجدت هذا الفيلم التسجيلي للمخرجة نيفين شلبي، حكاية أخرى من حكايات القاهرة ولكنها مختلفة ومؤثرة جدا.

  

Written by Butterfly

May 10, 2008 at 9:31 pm

حكايات من القاهرة – 1

with 3 comments

يقول المصريون (اللي يشرب من مية النيل لازم يرجع لها تاني)، وهكذا وبعد مرور أكثر من عشرة أعوام وجدت نفسي مجددا وبترتيب غريب من القدر أتوه في زحام القاهرة وأغرق في تفاصيلها الصغيرة المفعمة بالحياة.  في القاهرة تستطيع ان تعرف حكايات المارة من عيونهم .. من ما تحمله أكتافهم، وان تستشف همومهم من التجاعيد الغائرة التي تركها الزمن على وجه عم أبراهيم والحزن الذي يكسو أجفان نساء وأطفال يسكنون الشوارع ويسكنهم قلق لقمة العيش.

 

في هذه المدينة العتيدة وبين أزقة خان الخليلي وشارع طلعت حرب قضيت معظم الوقت أتجول بحثا عن قصص لا تشبهني، وفي مكتبة عرابي وجدت تاريخ وحكايات شوارع القاهرة مسطورا في صفحات كتاب أسمه القاهرة شوارع وحكايات للمؤلف حمدي أبو جليل والذي يؤرخ بشكل رائع من خلال قصص اسماء شوارع القاهرة المراحل التاريخية الأولى للقاهرة الفاطمية والخديوية ومصر القديمة. الآف من الكتب المتنوعة في الادب والسياسة وعلم الاجتماع، وعناوين قد لا تجدها في مكتبات ودور النشر الأخرى كمكتبة دار الشروق أو مكتبة مدبولي التي تحفل بآخر وأحدث الاصدارات من المؤلفات العربية والاجنبية وترجمات الادب العالمي.  وعلى الرغم من غزو فيرجن ميغاستور للقاهرة والذي يتربع حاليا على قمة محلات الموسيقى والكتب في جميع انحاء العالم الا ان هذه المكتبات لا زالت تتفرد بنوعية كتبها ومرتاديها.

 

تاكسي .. حواديت المشاوير

 

والعنوان اعلاه عنوان كتاب آخر للإعلامي خالد الخميسى الذي صدر منه حتى الآن الطبعة العاشرة والذي وصفه الدكتور جلال أمين بحالة المجتمع المصري اليوم كما تراها شريحة اجتماعية مهمة وذكية هي سائقو التاكسيات في مصر ورصد دقيق لأحوال المجتمع وللرأي العام المصري.  أستمتعت كثيرا بقراءة هذا الكتاب اثناء اقامتي في القاهرة والذي كنت أختتم به يومي كل مساء بعد جولات حافلة لكل ما تزخر به مدينة القاهرة من معالم واماكن تاريخية لا يمل السائح ولا المقيم منها حتى وان زارها عشرات المرات.

 

لست أدرى إن كان الكاتب الخميسي بصدد أضافة كتاب جديد لكتابه هذا ليكون ذلك امتداد لسلسة من حواديت وقصص التاكسي ولن أندهش ان فعل ذلك فقصص التاكسي والتركيبات المتباينة والمذهلة لسواق التاكسي في مصر تجعل من مشاوير التاكسي تجربة تستمتع بتكرارها كل مرة بينما تترقب في شغف الحكايات التي ستكون بإنتظارك مع سائق جديد وزاوية جديدة من هذا العالم الكبير الذي يشبه صندوق الدنيا في كل مرة تطأ فيها قدماك سيارة أجرة.

 

أول رحلة لي مع قصص التاكسي كانت بصحبة زميلي في الرحلة وورشة العمل حسين المحروس وحسين لمن لا يعرفه كاتب بحريني متميز ومصور فوتوغرافي رائع أستفدت كثيرا من تجاربه وخبراته في التصوير وتمكنت بفضله من التقاط العديد من الصور الجميلة وبزوايا مختلفة لم أكن أعرف عنها شيئا من قبل نظرا لخبرتي المتواضعة بفن التصوير الفوتوغرافي.  وفي كل مرة كنا نخرج فيها معا لاستكشاف القاهرة كنا نعود الى الفندق محملين بالصور وبالعديد من القصص الانسانية والذكريات الطريفة.

 

في أول مشوار لنا مع سائقي التاكسي كان سائق من صعيد مصر أقلنا من المطار الى فندق سوفتيل القاهرة في الهرم.  شكا السائق وبأسهاب من هيمنة المرأة ونفوذها في المجتمع المصري وقانون الاحوال الشخصية الذي يقف على حد قوله الى جانب المرأة أكثر من الرجل وبأن الرجل المصري فقد هيبته وسلطته بعد ان كان الربان الذي يقود ويترأس القرارات في أسرته.  السائق الناقم على المرأة عانى من تجربة فاشلة مع زوجته الأولى أفضت الى الانفصال ونزاعات وصلت إلى أروقة المحاكم وأنتهت بحكم ألزمه بدفع نفقة شهرية يعتبرها مرتفعة لطليقته واولاده منها.  حاولت عبثا ان افهمه بأن المرأة انسان مثلها مثل الرجل ولها من الحقوق ما هضمته المجتمعات العربية لردح طويل من الزمن وبأنه قد آن الاوان ان نحمى الأسر العربية من كل ما يلحق بها من امراض نفسية وانقسامات وتشرد للابناء أثناء وبعد حالات الطلاق فقال لي بلهجة صارمة أنهي بها الحوار: “خلاص .. مش عاوز أتكلم في الموضوع .. أنا من الصعيد ويكفي أن تعرفي ذلك!”.

 

 

عنصر مفاجئ

 

على النقيض تماما وفي الايام الأخيرة من الرحلة أستوقفنا سائق تاكسي آخر .. هذه المرة لم يكن التاكسي الابيض والاسود وهو التاكسي السائد في مصر والذي تحتسب فيه الأجرة بشكل تقديرى وبالتفاوض مع السائق بل التاكسي ذو اللون الاصفر أو كما يطلق عليه تاكسي العاصمة.  معظم موديلات سيارات التاكسي الصفراء حديثة وفي حالة جيدة والاهم انها مكيفة وهذا أهم ما تفتقر اليه سيارات التاكسي العادية كما انها تعمل بالعداد لذلك فأن تكلفتها أرخص نسبيا للمسافات الطويلة مقارنة بالتاكسي الآخر الذي أكتشفنا فيما بعد اننا كنا ندفع له اضعاف الاجرة التي يستحقها. وبما ان الفندق الذي كنا نقيم فيه كان يبعد كثيرا عن وسط البلد فقد كان هذا النوع من سيارات الأجرة هو النوع الأمثل لتنقلاتنا اليومية الا انه كان يندر ان نجد واحدا في شوارع القاهرة فهناك ارقام خاصة للاتصال بتاكسي العاصمة كما ان وصول السائق قد يستغرق بعض الوقت في أوقات الذروة والازدحام.

 

المهم ان سائق التاكسي هذه المرة كان يتمتع بقدر كبير من الفكاهة وروح النكتة جعلنا ننفجر ضاحكين طيلة المشوار من وسط البلد الي فندق السوفتيل.  ويبدو ان الغلاء والمرأة هما الشغل الشاغل لسائقي التاكسي في مصر هذه الايام فما ان تحرك سائق التاكسي أمتار قليلة حتى بدأ يسرد علينا قصص ومفارقات زيجاته الثلاث.  السائق الشاب الذي أطلق على نفسه أسم “أبو رحمة” لم يكن رحيما على الاطلاق خصوصا مع النساء فبعد فترة بسيطة من زواجه الأول بفتاة من بلده طلقها لأنه على حد قوله كان زواج تقليدي وفي سن صغيرة وبأن العروس لم تحسن التعامل معه أضافة الى ضعف ثقتها بنفسها وخجلها المفرط الذي أنقلب الى عنف بعد فترة قليلة من الزواج فكانت ترد له الصاع بصاعين متبعة مبدأ العين بالعين، فالاشياء التي كانت تتطاير اثناء المشاحنات بين الزوجين من قطع الاثاث المنزلي وغيرها كانت متكافئة من الجهتين لذلك شعر أبو رحمة بشئ من الضجر ازاء ردود الافعال المتوقعة على حد قوله فطلقها.

 

ثم تزوج بعدها من امرأة عربية كانت تقيم في القاهرة “لاسباب ديبلوماسية” و”تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين” على حد قوله فسألناه عن اي نوع من العلاقات اليبلوماسية يتحدث فقال ان زيجته كانت من قبيل الشهامة فإقامة المرأة في مصر كانت ستنتهي بعد شهر ولكي تتمكن من تمديد اقامتها لعام آخر كانت تحتاج ان تتزوج من فرقة انقاذ مثل ابو رحمة.

 

وما جعلنا ننفجر فعلا من الضحك هو الاسم أو المصطلح الذي أطلقه ابو رحمة على الزوجة الجديدة وهو “عنصر مفاجئ”، فجميع الستات في نظر ابو رحمة عنصر مفاجئ وزوجته الجديدة كانت من هذا النوع وهو مصدر اعجابه بها اذ لم يكن يدرك ماذا ينتظره بعد كل “خناقة زوجية”.  أحيانا كانت الزوجه تتركه وتمضي لحال سبيلها واحيانا أخرى كانت تباغته بتصرف غير متوقع ومع ذلك فأن العنصر المفاجئ لم يدم طويلا فالزواج الذي بدأ بمصلحة خفت بريقه بعد فترة ليتزوج ابو رحمة من جديد من امرأة من بلد عربي آخر.

 

أثناء المشوار كان هاتف ابو رحمة لا ينقطع عن الرنين فزبائنه الذين يبحثون عن جلسات المساج في فنادق الخمس نجوم كُثر وابو رحمة نصّب من نفسه مرشدا سياحيا لمن يرغب.   ولست أدرى لماذا أفترض انني وزميلي حسين زوجين فبدأ في مشاكستي كي أطلق سراح (الزوج المغلوب على أمره) وان (لا اقصقص ريشه) كما تفعل معظم الزوجات (المفتريات). أعجبتنا اللعبة فسايرناه حتى النهاية.  طرح اسم بلد عربي شقيق توقع اننا منه فأومأنا بالايجاب ثم سأل من اي منطقة من …. نحن؟ فحضرني أسم مدينة أعرفها من ذلك البلد فقلته له فأجاب بتنهيدة طويلة “ياااااااااااه .. ده أنتي زكرتيني باللذي مضي” سألناه ان كان قد زار هذه المنطقة من قبل فأجاب بالنفي لننفجر مجددا من الضحك.

 

وصلنا إلى مدخل الفندق ويبدو ان الحيلة قد انطلت على ابو رحمة كما ظن هو بأن حكاياته عن العلاقات الديبلوماسية والشهامة قد أنطلت علينا.  وقبل ان نودعه طلب ابو رحمة “الكرت” من زميلي حسين فاعطاه اياه.  اثناء سيرنا الى الفندق كنا نتسائل عن ردة فعل ابو رحمة بعد ان يقرأ ما هو مسجل على البطاقة من بيانات حسين الشخصية، أسم البلد والوظيفة واشياء أخرى قد تغير من نظرته للأبد بأن نظرية العنصر المفاجئ لا تقتصر على النساء فقط!

Written by Butterfly

May 10, 2008 at 4:10 pm